محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
407
شرح حكمة الاشراق
قرب من القطبين وما بعد عن الأرض والفلك ، ككرة الزّمهرير ، بارد ، لمخالطة الأبخرة الباردة وبعده عن المسخّن ، وهو حركة الفلك وانعكاس الأشعّة . وليست الصّور إلّا الهيئآت الظّاهرة ، أي الكيفيّات المحسوسة ، كما ذكرنا . وإن كان كذلك فلا يتأتى لقائل أن يقول : اللّطف الّذى هو أشدّ حرارة ، له صورة أخرى غير الّتى لما هو أقلّ حرارة ، وإن سمّى ما أشتدّ من الهواء حرارته نارا ، فذلك مسلّم جوازه ، إذ لا نزاع في الشّهوات ، ولا مشاحّة في الاصطلاحات ، فيكون ، عند هذا القائل المسمّى اللّطيف منقسما إلى قسمين ، باعتبار شدّة كيفيّة واحدة وضعفها . وقوا القائل وهو الشّيخ الرّئيس : « لو كانت النّار حارّة رطبة ، لكانت هواء ، فما طلبت موضعا أعلى ، من موضع الهواء ، بل وقفت عنده » ، أي عند الهواء ولا يقف ، كما هو المشاهد من ارتقاء شعل النّار وصنوبرات المصابيح عن الهواء الملاقى له ، كلام غير مستقيم . فإنّ للخصم أن يقول : « إنّ الهواء كلّما اشتدّت حرارته اشتدّ ارتقاؤه ، لا لأنّ له حينئذ ، عند اشتداد الارتقاء ، حقيقة أخرى ، بل لأنّ له حينئذ لطافة أخرى . فزيادة الارتقاء لصيرورته ألطف ، لا لصيرورته نارا » . ثمّ من الّذى شاهد نارا ارتقت حقيقته ، إلى مقعّر الفلك ، مع ما قد علمت ، من أنّ الشّعل المرتفعة المفارقة لا ضوء لها يستحيل على الفور هواء ، وما عند الفلك يقول الخصم : إنّه ، أي هو هواء ، يتسخّن بحركة الفلك ، لا أنّه عنصر آخر هو ناز . ثمّ العجب : أنّهم ، أي المشّائين ، في الممتزجات ادّعوا ناريّة . وإذا علمت أنّ النّار التّى توهّموها عند الفلك لا يستنزلها إلينا قاسر ، إذ الفلك لا يدافعها ، على الاستقامة لتنزل إلينا ، بل إن سلّم دفعها لها ، فيكون على الاستدارة ، وما يفرضه فارض أنّه ينزل لبرد ، لبرد اللّيل على ما ظنّ ، لا يكون نارا ، تلطّف وتحلّل ، كما هو الموجود عندنا . والمطلوب في الممتزجات لخروجها عن النّاريّة باستيلاء البرد عليها وقهرها على النّزول . وهذه الّتى عندنا تلطّف وتحلّل ، فلا تكون نازلة ببرد ، كما ظنّ ، فلم يقع في الممتزجات إلّا حرارة تامّة أو ناقصة ، من أشعّة الكواكب ، سيّما من النيّر